عماد الدين خليل

166

دراسة في السيرة

صلى عليه ثم أمر بالقتلى يوضعون إلى جانب حمزة واحدا واحدا ، فصلى عليهم وعليه حتى أنه صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة هي عدد القتلى من المسلمين ، وآثر صلى اللّه عليه وسلم مصعبا بن عمير وهو مقتول ببردة له ، وقال : « رحمك اللّه ، لقد رأيتك بمكة وما بها أرق خلّة ولا أحسن حلة منك ، ثم أنت في أشعث بردة » « 1 » . وجاءت صفية بنت عبد المطلب وقد سمعت بأن أخاها قد مثل به فقالت : ما أرضانا بما كان من ذلك ، لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء اللّه ! ، وكان بعض المسلمين قد حملوا قتلاهم ليدفنوهم في المدينة فنهاهم صلى اللّه عليه وسلم قائلا : « ادفنوهم حيث صرعوا » . ثم وقف عليهم وقال : « أنا شهيد على هؤلاء ، إنه ما من جريح يجرح في اللّه إلا ويبعثه اللّه يوم القيامة ، يدمى جرحه ، اللون لون دم والريح ريح مسك » ، ثم قفل صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه عائدين إلى المدينة في نفس اليوم السبت الخامس عشر من شوال « 2 » . لم يلبث الرسول صلى اللّه عليه وسلم في اليوم التالي أن قام بمناورة عسكرية استهدفت تحقيق أهداف عدة منها إرهاب العدو ، مشركين وأعرابا ، منافقين ويهودا ، وإشعارهم أن المسلمين لا زالوا على قوتهم ومقدرتهم القتالية ، وأن هزيمة أحد لم توهنهم عن أهدافهم ، ومنها رفع معنويات المسلمين وإزالة الآثار النفسية المؤلمة ، التي خلفتها معركة أحد ، والتي كان بإمكانها أن تحفر في نفوسهم خنادق وحفرا لا تمحوها الأيام ، فنادى مناديه في السادس عشر من شوال أن يتهيأ الناس لطلب العدو وألايخرج معهم أحد لم يشترك في معركة أحد ، يوم أمس ، وانطلق صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة ، وكان المشركون قد بلغوا الروحاء على بعد ليلتين من المدينة ، وعسكروا هناك ، وأجمعوا أمرهم على العودة ثانية لقتال المسلمين بعد أن أدركوا أنهم لم يستأصلوا شأفتهم ، لكن رجلا من خزاعة ، حلفاء الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، مر بهم وأعلمهم أن محمدا يطلبهم على رأس قوة كبيرة من المسلمين تتحرق شوقا لقتالهم ، انضم

--> ( 1 ) البلاذري : أنساب 1 / 336 . ( 2 ) ابن هشام ص 188 - 190 الطبري 2 / 528 - 529 ، 532 الواقدي 1 / 289 - 290 ، 309 - 317 .